العيني
52
عمدة القاري
على متعدد . قوله : ( ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل ) الأول مجرور بالإضافة ، والثاني منصوب على المفعولية . قوله : ( فقال أهل الكتابين ) أي : التوراة والإنجيل . قوله : أي ربنا ) ، كلمة : أي ، من حروف النداء ، يعني : يا ربنا ، ولا تفاوت في إعراب المنادى بين حروفه . قوله : ( ونحن كنا أكثر عملاً ) ، قال الإسماعيلي : إنما قالت النصارى ( : نحن أكثر عملاً لأنهم آمنوا بموسى وعيسى ، عليهما الصلاة والسلام . قلت : النصارى لم يؤمنوا بموسى صلى الله عليه وسلم ، على ذلك جماعة الإخباريين ، وأيضا قوله : ( ونحن كنا أكثر عملاً ) حكاية عن قول أهل الكتابين ، وقال الكرماني : قول اليهود ظاهر ، لأن الوقت من الصبح إلى الظهر أكثر من وقت العصر إلى المغرب ، وقول النصارى لا يصح إلاَّ على مذهب الحنفية ، حيث يقولون : العصر هو مصير ظل الشيء مثليه ، وهذا من جملة أدلتهم على مذهبهم . قلت : هذا الذي ذكره هو قول أبي حنيفة وحده ، وغيره من أصحابه يقولون مثله ، ويمكن أن يقال : إنما أسند الأكثرية إلى الطائفتين ، وإن كان في إحداهما بطريق التغليب ، ويقال : لا يلزم من كونهم أكثر عملا أكثر زمانا ، لاحتمال كون العمل أكثر في الزمان الأقل . قوله : هل ظلمتكم ؟ ) أي : هل نقصتكم ؟ إذ الظلم قد يكون بزيادة الشيء ، وقد يكون بنقصانه . وفي بعض النسخ : ( أظلمتكم ؟ ) بهمزة الاستفهام ، وهو أيضا بمعنى : هل ظلمتكم ؟ أي : في الذي شرطت لكم شيئا ؟ . ذكر ما يستنبط منه فيه : تفضيل هذه الأمة وتوفر أجرها مع قلة العمل ، وإنما فضلت بقوة يقينها ومراعاة أصل دينها ، فإن زلت فأكثر زللها في الفروع ، بخلاف من كان قبلهم كقولهم : * ( اجعل لنا إلاها ) * ( الأعراف : 138 ) . وكامتناعهم من أخذ الكتاب حتى نتق الجبل فوقهم ، و : * ( فاذهب أنت وربك فقاتلا ) * ( المائدة : 54 ) . وفيه : ما استنبطه أبو زيد الدبوسي في ( كتاب الأسرار ) من أن وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه ، لأنه إذا كان كذلك كان قريبا من أول العاشرة ، فيكون إلى المغرب ثلاث ساعات غير شيء يسير ، وتكون النصارى أيضا عملوا ثلاث ساعات وشيئا يسيرا ، وهذا من أول الزوال إلى أول الساعة العاشرة ، وهو إذا صار ظل كل شيء مثليه ، واعترض على هذا بأن النصارى لم تقله ، وإنما قاله الفريقان : اليهود والنصارى ، ووقتهم أكثر من وقتنا ، فيستقيم قولهم : أكثر عملاً ؟ وأجيب : بأن اليهود والنصارى لا يتفقان على قول واحد ، بل قالت النصارى : كنا أكثر عملاً وأقل عطاءً ، وكذا اليهود ، باعتبار كثرة العمل وطوله ، ونقل بعضهم كلام أبي زيد هكذا ، ثم قال : تمسك به بعض الحنفية كأبي زيد إلى أن وقت العصر من مصير ظل كل شيء مثليه ، لأنه لو كان ظل كل شيء مثله لكان مساويا لوقت الظهر ، وقد قالوا : كنا أكثر عملاً ، فدل على أنه دون وقت الظهر . ثم قال : وأجيب بمنع المساواة ، وذلك معروف عند أهل العلم بهذا الفن ، وهو أن المدة بين الظهر والعصر أطول من المدة التي بين العصر والمغرب . انتهى . قلت : لا يخفى على كل أحد أن وقت العصر ، لو كان بمصير ظل كل شيء مثله ، يكون وقت الظهر الذي ينتهي إلى مصير ظل كل شيء مثله ، مثل وقت العصر الذي نقول : وقته بمصير ظل كل شيء مثله ، ومع هذا أبو زيد ما ادعى المساواة بالتحقيق ، ثم قال هذا القائل : وعلى التنزيل لا يلزم من التمثيل والتشبيه التسوية من كل جهة . قلت : ما ادعى هو التسوية من كل جهة حتى يعترض عليه . وفيه : ما استنبطه بعضهم أن مدة المسلمين من حين ولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة ألف سنة ، وذلك لأنه جعل النهار نصفين الأول لليهود ، فكانت مدتهم ألف سنة وستمائة سنة وزيادة في قول ابن عباس ، رواه أبو صالح عنه ، وفي قول ابن إسحاق : ألف سنة وتسعمائة سنة وتسع عشرة سنة ، وللنصارى كذلك ، فجاءت مدة النصارى لا يختلف الناس أنه كان بين عيسى ونبينا صلوات الله على نبينا وعليه ستمائة سنة ، فبقي للمسلمين ألف سنة وزيادة ، وفيه نظر ، من حيث إن الخلاف في مدة الفترة ، فذكر الحاكم في ( الإكليل ) أنها مائة وخمسة وعشرون سنة ، وذكر أنها أربعمائة سنة ، وقيل : خمسمائة وأربعون سنة . وعن الضحاك أربعمائة وبضع وثلاثون سنة ، وقد ذكر السهيلي عن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي : أن جعفرا حدث بحديث مرفوع : ( إن أحسنت أمتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة ، وذلك ألف سنة ، وإن أساءت فنصف يوم ) . وفي حديث زمل الخزاعي ، قال : ( رأيتك يا رسول الله على منبر له سبع درجات ، وإلى جنبك ناقة عجفاء كأنك تبعتها ، ففسر له النبي صلى الله عليه وسلم الناقة بقيام الساعة التي أنذر بها ، ودرجات المنبر عدة الدنيا : سبعة آلاف سنة ، بعث في آخرها ألفا ) قال السهيلي : والحديث ، وإن كان ضعيف الإسناد ، فقد روي موقوفا على ابن عباس من طرق صحاح ، أنه قال : ( الدنيا سبعة